هافانا عاصمة الكاريبي

هذا المقال: الذكرى الخمسمائة لهافانا، الهندسة المعمارية، خليج هافانا، مدينة، تطوير، اوزيبيو ليل، تصوير فوتوغرافي، هافانا، ماليكون دي لا هافانا، التمدني

0 14

11  يوليو تموز 2024

بقلم: د. المهندسة المعمارية باتريشيا رودريغيز الوما

المصدر : موقع مساحات المدينة

الصورة: خوليو لاراميندي.

 

هافانا مدينة فريدة من نوعها. لقد كانت حية دائماً ولم تفقد شخصيتها ابداً.

في العصر الاستعماري كانت هافانا هي مدينة البندقية في “العالم الجديد”، واصبحت المدينة الاكثر اهمية على طريق التجارة الجديد، بمجرد تنفيذ نظام الاسطول.

لقد اعطتها حالة ميناء توقف، ذلك الوجه المختلط والتعددي الثقافي الذي لا يزال قائما حتى يومنا هذا، ليس فقط في الامثلة الحضرية والمعمارية الممتازة، لكن ايضاً في تلك الشخصية الفريدة جداً لمواطن هافانا الاصلي، الودود، الفضولي والمبالغ فيه؛ الذي كان يراها مدينة صاخبة وانيقة في نفس الوقت.

File:Edificios modernos La Habana.jpg

يمكن القول انها المدينة المثالية لتدريس دروس الهندسة المعمارية والتخطيط الحضري في الموقع، حيث تتيح لك تقدير التيارات والاساليب المختلفة في التطور التدريجي للتطور الحضري والمعماري فقط من خلال التجول في احيائها. ولحسن الحظ، وبسبب الصدفة، فان الاخطاء التي احدثتها الحداثة التي أسيء فهمها في العواصم الاقليمية مع توازن التحولات المؤلمة، او النزوح الجماعي الذي تسبب في الاطراف الهامشية التي تخنق المدن الكبرى، لم تحدث في هافانا.

ان التحدي الكبير الذي يواجه المخططين الحضريين الكوبيين هو بلا شك الحفاظ على روح المكان، وهذا هو النمط الجيني للمدينة، وادخال التحولات الضرورية التي ترفعها الى فئة مدينة القرن الحادي والعشرين.

اعطى الانتصار الثوري في يناير كانون الثاني 1959 الاولوية للتنمية نحو المناطق المهملة تاريخيا في البلاد، ما ادى الى تجميد الأعمال مؤقتاً في هافانا في الوقت المناسب، لتكون، واحدة من مناطق الجذب الرئيسية حتى يومنا هذا، حبث لم يتم الحفاظ على النواة التأسيسية لها فحسب، بل ايضاً احياء مصممة بذكاء في التخطيط الحضري ومهارة ممتازة في هندستها المعمارية، التي تغطي ما يقرب من 505 اعوام من وجودها.

إن الطرق التي تتبع المسارات الاولى الى الجنوب، بأعمدتها اللامتناهية للحماية من اشعة الشمس القاسية او هطول الامطار المفاجئ، تحولت الى انفاق فيدادو الخضراء، احد افضل الاحياء المدروسة في العالم؛ او المناطق اللانهائية التي كانت باتجاه الغرب او الجنوب، التي ترسم الطبقات الاجتماعية للمدينة، احياناً فخمة، واحياناً اكثر تواضعاً.

من حسن الحظ ان هافانا لا تزال مدينة للمواطنين، الذين استولوا على الاماكن العامة، مستفيدين من حقيقة انهم ما زالوا يتمتعون بأمن المواطن الذي اصبح نادرا على نحو متزايد في العالم.

هافانا لم تغزوها بعد السيارات الخاصة التي فتحت ندوبا لا رجعة فيها في مدن تحاول اليوم محوها، كما لم يكن هناك ازدهار تنموي ادى في مدن اخرى الى محو احياء تقليدية باكملها تحت مظهر هندسة معمارية غير شخصية، في بعض الحالات ذات جودة عالية، لكنها تفتقد عناصر الهوية.

لا تزال هافانا تحافظ على روح القرية التي تسهل العلاقة شبه العائلية بين الجيران ولكنها تتعايش في انسجام مع الطاقة العالمية التي تولد من جديد.

تضاريسها ودية، وكذلك مناخها، وقد زودتها الطبيعة بشواطئ ممتازة في الشرق، حيث تم ايضاً بناء كل شيء بدءاً من احياء المهاجع المجهولة وحتى الامثلة الفريدة للتوسع الحضري الحديث.

من ناحية اخرى، تتمتع هافانا باحتياطيات استثنائية من الاراضي، ليس فقط في المناطق البينية، ولكن ايضاً في موقع استراتيجي، لانه مع نقل النشاط التجاري من خليج هافانا الى ميناء مارييل، على بعد 40 كيلومتراً فقط من العاصمة، ستكون مساحات متاحة من تطورها، وسيتم تطوير الاف الهكتارات مع تركيز استثنائي للقيم الثقافية والطبيعية، وما لا شك فيه، سيصبح خليج هافانا، مرة اخرى، القوة الدافعة لتطويره، ولهذا الغرض تم بالفعل التخطيط لخطة تطوير منظورية، تم الانتهاء منها عام 2021.

ان التحدي الكبير الذي يواجه المخططين الحضريين الكوبيين هو بلا شك الحفاظ على روح المكان، وهذا النمط الجيني للمدينة، وادخال التحولات الضرورية التي ترفعها الى فئة مدينة القرن الحادي والعشرين. والاهم هو القيام بذلك من خلال تخطي الاخطاء التي ارتكبتها المدن الاخرى والتي تحاول تصحيحها اليوم. وسيكون الامر الاصعب هو اقناع صناع القرار بضرورة تنفيذ خطط شاملة وتكاملية وتشاركية، حيث ان سنوات الازمة الاقتصادية المعروفة باسم “الفترة الخاصة” قللت من تأثير المخططات الحضرية كمحركات لتنمية العاصمة؛ سيكون الامر الاكثر استراتيجية هو رفع مستوى الوعي بين السلطات بان الاراضي الحضرية، مع الميزة الهائلة المتمثلة في كونها في بلدنا تابعة للدولة، هي واحدة من اهم الموارد الاقتصادية التي تمتلكها المدن، وتولد الثروة من اجل تنميتها الخاصة.

كما انه تحدي كبير، في الظروف الحالية، تهيئة الظروف المناسبة للاحتفاظ بالمهنيين الشباب الذين، بعد تدريبهم في مختلف التخصصات، يمكنهم الالتزام بمستقبل مدينتهم.

 

 

ان القدرة على تقديم احدث الاتجاهات في التوسع الحضري البيئي والمستدام سيكون احد التحديات الكبرى الاخرى، نظراً لان معظم الاساليب الحالية للمدينة المعاصرة (تفضيل التنقل سيراً على الاقدام والدراجات ووسائل النقل العام، على السيارة الخاصة؛ والزراعة الحضرية او عقلية اعادة تدوير كل شيء، على سبيل المثال لا الحصر)، جاءت الى بلادنا منذ سنوات بدافع الضرورة، بسبب الازمة الاقتصادية العميقة وليس من التفكير الواعي والبيئي.

 

من ناحية اخرى، فان المناطق الطرفية للمدينة، “هافانا الكبرى” التي تمتد بشكل اساسي الى الجنوب والشرق، كانت تاريخيا الاقل خدمة؛ باتجاه الجنوب، تطورت الاحياء الاكثر بروليتارية والطبقات الاجتماعية الاكثر شعبية، في سلسلة من الاحياء الصغيرة والمتواضعة، ولكنها منظمة بشكل جيد للغاية؛ باتجاه الشرق، نمت احياء المهاجع، وهي اقل تاهيلا بكثير وبشبكات معدات سيئة، باستثناء هافانا ديل استي (وحدة الحي رقم 1، سيوداد كاميلو سيينفويغوس) وتنفيذ قرية عموم امريكا. هناك مؤلفون يصفون هافانا بانها مدينة الاضواء والظلال؛ الاول يتعلق بذلك الشريط الذي يمتد الى الغرب، ويبلغ عمقه حوالي ثلاثة كيلومترات؛ هذه هي المدينة المعروفة والمبدعة. اما الاخر، المهمل تاريخيا، فلا بد ان يحصل على فوائد حضرية تعمل بشكل اساسي على ربطه بشكل افضل بالمناطق المركزية. هناك بعض نوى المستوطنات غير الرسمية، والتي توجد بشأنها مقترحات محددة في مخطط المدينة وهي تحظى اليوم ببعض الاهتمام، لكنها لا تزال غير كافية.

 

لكن هافانا لا تمتلك تلك الاطراف الهامشية الكبيرة؛ على العكس من ذلك، بما ان حركات الهجرة التي ولدت هذه المشكلة الحضرية الاقليمية الخطيرة في الستينيات والسبعينيات لم تحدث، فقد تركز التهميش في الاحياء المركزية، ويرجع ذلك اساساً الى العجز المزمن في الاسكان الذي ادى، الى جانب الافتقار الى الصيانة المنهجية، الى توليد مشاكل صحية هيكلية وبيئية خطيرة في هذه المناطق من المدينة التي تم اعادة تكثيفها، كما أن المشكلة الرئيسية التي تعاني منها المدن الاخرى في الاطراف اليوم، في هافانا، موجودة في البلديات المركزية، اضافة الى حقيقة ان اعظم القيم التاريخية والثقافية وتتركز فيها ايضاً.

 

قبل بضع سنوات، تمت صياغة خطة عامة جديدة للتخطيط الحضري لهافانا، استنادا الى عملية واسعة من التشاور المؤسسي وبمشاركة مجموعة من الخبراء المشهورين؛ تقترح الوثيقة، التي تمت كتابتها تحت قيادة الوفد الاقليمي للتخطيط الاقليمي والتخطيط الحضري، الحفاظ على البنية المتعددة المراكز للمدينة، مع توضيح سياسات التنمية في المناطق الاكثر حرمانا.

 

وانطلاقاً من المخطط الرئيسي لمكتب مؤرخ مدينة هافانا، ننظم، بالتعاون مع حكومة العاصمة والجهات الفاعلة الاساسية الاخرى، عملية صياغة استراتيجية التنمية الاقليمية، والتي يجب بالضرورة ان يتم توضيحها مع الخطة.

المدينة، اليوم في طور التحديث، والتأكيد على الرؤية القائلة بان هافانا ليست مجموع 15 بلدية، ولكنها كيان حضري فريد من نوعه، على نطاق حضري، والاكثر تعقيداً في كوبا، بصفتها عاصمة.

ستبدأ هذه المسؤولية الكبيرة من الفرضية التي تركها لنا الدكتور اوزيبيو ليل عندما قال لنا ان… تحدي المدينة الفاضلة للتنمية الشاملة للمدينة التراثية يقودنا الى طريق طموح في المحتوى ومبتكر بالضرورة لنجاحه، الى انشاء خطة ديناميكية ومرنة تصبح، بعد ان يصادق عليها المواطنون، خريطة ملاحية، واداة سياسية وادارية في خدمة الحكومة.

كما تكمن الامكانات الاقتصادية الكبيرة لهافانا في هذا التراكم للثقافة في اكثر اشكال تعبيرها تنوعاً، المادية وغير المادية.

ان تحقيق مشاركة مفيدة ومسؤولة من جانب المواطنين والكيانات في تشكيل الادوات التي توجه تنمية العاصمة سيكون امرا شاقا، بعد عقود من السياسة الابوية والنهج القطاعي العميق الجذور، فوق النهج الاقليمي، وهو ما يهم حقا.

ان الامكانات الاقتصادية الكبيرة لهافانا تكمن في تراكم الثقافة في اكثر تعبيراتها تنوعاً، المادية وغير المادية، وان الثقافة نفسها يمكن ان تكون المحرك الرئيسي لتنمية العاصمة، وليس مجرد حق مواطن مكتسب، انه مفهوم يجب ان يسود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

من كوبا